في صباح عادي جدًا، وأمام أعين الجميع وفي وضح النهار، خرج «محمد»، شاب في السادسة والعشرين من عمره، مفعمًا بالحيوية والأمل، يمضي بخطوات واثقة وهمّة عالية، عابرًا الشارع الملاصق لمنزله. لم يكن يعلم أن خطوتين إضافيتين ستضعانه في مواجهة غدر لا يرحم، وفي اختبار أشد قسوة لأخلاق مجتمع بأكمله.
اعترض ثلاثة من البلطجية طريقه، يحملون أسلحة بيضاء، والشر يملأ أعينهم، وكان هدفهم الوحيد الاستيلاء على حقيبته بالقوة. لكن هذا الشاب، الذي نشأ على النخوة والشهامة والتربية الصالحة، لم يستسلم بسهولة. لم يقبل بالفكرة التي يروّج لها البعض في زمن الخوف: «نجِّ نفسك واترك متاعك». خاض معركة بمفرده، مدافعًا عن كرامته وحقه بكل ما أوتي من شجاعة، واثقًا، ربما لثوانٍ معدودة، بأن الشارع المكتظ بالمارة لن يتركوه يواجه مصيره بمفرده.
وهنا وقعت الفاجعة الحقيقية… لم تكن في نذالة المجرمين وحدها، وإنما في صمت المتفرجين وقسوة المشهد!
كان الشارع مليئًا بالناس، ومئات الأعين تراقب المشهد في رعب تجمّدت معه الدماء في العروق. وجوه تكتفي بالمشاهدة، وأيدٍ عاجزة عن الحركة، وألسنة عقدتها الصدمة وشلّها الخوف، فلم ينبس أحد ببنت شفة. تُرك الشاب يصارع ثلاثة من البلطجية بمفرده، حتى سقط تحت وطأة ضرباتهم المتتالية، ينزف أمام الجميع. تلقى ثماني طعنات غادرة بدم بارد، من بينها طعنة نافذة اخترقت القلب والرئة، وكأنها لم تخترق جسده وحده، وإنما اخترقت مروءة الشارع بأكمله.
أيُّ رعب هذا الذي استوطن النفوس؟ وكيف تحوّل المارة إلى مجرد أشباح بلا روح؟ كيف تمكّن الخوف من القلوب إلى حدّ رؤية شاب يُذبح على بُعد أمتار من البيوت، دون أن يتحرّك في أحد عِرق النخوة؟ وهل أصبحت السلامة الشخصية مبررًا كافيًا للتخلّي عن أبسط قواعد الإنسانية؟
ولم تتوقف الفاجعة عند حدود الشارع، بل امتدت لتعتصر قلوب أفراد أسرته بوجع لا يُطاق. فوالدة محمد، وهي شخصية إسكندرانية مرموقة وذات تأثير كبير، عُرفت بمساندتها للجميع، وكانت سندًا لكثيرين وركنًا من أركان مجتمعها، تقف اليوم مذهولة أمام هول ما حدث.
منذ ما يقرب من أسبوعين، تعيش الأم حالة من الانهيار النفسي والصدمة الحقيقية، يتجدّد وجعها في كل لحظة تستعيد فيها مشهد ما حدث لابنها. لا تستطيع استيعاب كيف تعرّض فلذة كبدها للغدر، وكيف استُبيحت دماؤه أمام منزله وفي وضح النهار، دون أن تمتد إليه يد واحدة لإنقاذه أو تقديم العون له.
يرقد الشاب الآن بين يدي الله، بعد خضوعه لثلاث عمليات جراحية بالغة الخطورة، ولا يزال يصارع من أجل البقاء. وبين أنفاسه المتلاحقة ومعاناته المستمرة، تظل الطعنة التي أصابت قلبه شاهدًا على بشاعة الجريمة، وعلى الوجع الذي يعتصر قلب أسرته، وعلى حجم المأساة التي تركت آثارها العميقة في نفوس أحبائه.
لقد أثبت هذا الشاب أنه صاحب مبدأ وشجاعة في زمن باتت فيه الشهامة موضع اختبار حقيقي؛ فقد دفع هو وعائلته ثمنًا باهظًا لعزة النفس والنخوة التي جعلته يرفض الخضوع للباطل. وتبقى رسالته، المضمخة بالدماء، موجهة إلى الجميع: إن الجريمة لا تقف عند حدود فعل الجاني، وإنما تتضاعف مأساتها حين يقف القادرون على المساعدة موقف المتفرج، ويصبح الصمت شريكًا في ترك الضحية وحيدًا في مواجهة الخطر.
ومع ذلك، فإن النخوة لا تعني الاندفاع إلى مواجهة المسلحين بما يعرّض الآخرين لمصير مماثل، وإنما تعني ألّا نتخلّى عن إنسان يواجه الخطر؛ فطلب النجدة، والاتصال بالشرطة والإسعاف، والاستعانة بالآخرين، وتوثيق ما يحدث من مكان آمن، كلها مواقف قد تسهم في إنقاذ حياة إنسان.
دعواتنا الصادقة من القلب أن يشفيه الله شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يعيده إلى أهله سالمًا معافًى، وأن يربط على قلب والدته المكلومة، ويمنحها الصبر والقوة. ونسأل الله أن يوقظ في النفوس ضمائرها، وأن يردّ إلى المجتمع روح المروءة والتكافل، قبل أن تبتلعنا السلبية ويصبح الصمت هو السائد في مواجهة الألم والظلم.








