كتبت: رحاب سليمان
من منا لا يعرف المسحراتي الذي يأتي فجر كل يوم ليوقظ الناس وقت السحور ويأتي بالفرح ويصطحب معه أصوات الفرحة التي تعلو بقربه في كل مكان حيث يتجمع ويلتف حوله الأطفال بفرحة معروفة لنا جميعًا و ينتظره الجميع في الشرفات و المنافذ وكم هو يشعر الجميع ببهجة الشهر الكريم وكم منا ينتظره ويقاوم نومه منذ صغره و مهما بلغنا من العمر فجميعًا نحفظ عباراته الشهيرة ” اصحى يا نايم وحد الدايم رمضااااان كرريم _ اصحى يا فلان رمضان كريم” وغيرها من العبارات التي يشتهر بها المسحراتي ..
كلمة مسحراتي مشتقة من كلمة سحور بدأت هذه الوظيفة مع بدء الإسلام حيث كان يخرج بلال إبن رباح أول مؤذن في الإسلام ليوقظ الناس قبل صلاة الفجر حيث كان يطوف بصحبة عبدالله بن أم مكتوم في الشوارع والطرقات يتناوبا لإيقاظ الناس كان الأول ينادي لإيقاظ الناس والآخر ينادي لامساك الناس عن الطعام.
ولكن أول من طاف شوارع القاهرة ليلاً إسحاق بن عقبة والي مصر العباسي حيث كان يمشي على قدميه من مدينة عسكر ب الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص ليوقظ أهلها للسحور وتعد هذه الفترة هي فترة انتقال المسحراتي إلى مصر منذ 12 قرن مضى في عام 853 ميلادي .
في عصر الدولة الفاطمية أمر الحاكم بأمر الله الناس بالنوم مبكرًا وكانوا الجنود يمرون على البيوت ليوقظوا أهلها بدق الأبواب للاستيقاظ للسحور حتى تم تعين شخصًا سمي ب “المسحراتي” .
تطورت مهنة المسحراتي علي يد ابن النقطة المسحراتي الخاص ب السلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث استخدم الطبله ليدق عليها وكانت تسمى وقتها “بازه” وذلك بدلاً من استخدام العصا حيث كان أول من استخدم الطبله بدلاً من العصا لإيقاظ الناس عن طريق الدق عليها دقات منتظمة ومتتالية ثم مع الوقت تطورت المهنة وأصبح للمسحراتي أقواله وأشعاره الشعبية ومع ظهور التلفزيون و الراديو و التطور التكنولوچي أصبح للفنانين أيضًا دور في ابراز مهنة المسحراتي من منا لا يذكر هذه الكلمات “اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم.. وقول نويت بكره صيام إن حييت….” كلمات الشاعر الكبير فؤاد حداد و قام بتلحينها وغنائها المطرب العظيم سيد مكاوي وأصبحت الآن تراثُا محفوظًا لشهر رمضان الكريم ولكن مع ظهور هذا التطور بدأت مهنة المسحراتي في الاندثار والاختفاء حتى لجأ المسحراتي لحيلة تدوين أسماء من يريد الاستيقاظ و المجيء كل ليله لايقاظهم بأسمائهم فأصبح الأطفال والكبار يتصارعون بإلقاء أسمائهم للمسحراتي وازدهرت مهنته مرة أخرى.
تعددت أسماء المسحراتي بتعدد البلدان حيث سُمي في اليمن “المفلّح” وفي الإمارات “أبو طبيلة” وفي المغرب “النفار” وفي لبنان “الطبال” وفي مكة ومدن الحجاز سمي ب “المسحر” وفي ليبيا سمي ب “النوبادجي” وفي السودان سمي ب “المسحراتي”
فبرغم تعدد التكنولوجيا في وقتنا الحالي و انتشار الهواتف المحمولة وغيرها من التطورات الذكية إلا إن المسحراتي محتفظًا ببهجته وأصالته في معظم الدول العربية فمثلاً في دولة الإمارات اشتهر” أبو طبيلة ” بإنشاد عبارات مثل( يا نايم الليل قوم اتسحر قوم يا نايم قوم قومك احسنلك من نومك) ؛ وفي دولة السعودية اختلف نداء أبو طبيلة حيث كان( قوم يا نايم اربح الغنايم قوم يا نايم اكسب الغنايم قوم يا نايم اذكر الحي الدايم) أما في المغرب اختلف الموضوع قليلًا حيث كان النفار مسمى بهذا الاسم لإنه كان يحمل آلة نفخ طويلة نحاسية تسمى النفير وهناك يرتدي لباسًا مغربيًا كالطربوش الأحمر المغربي أو الطاقية والجلباب وكان ينشد (لا إله إلا الله لا إله إلا الله لا إله إلا الله ربي وحده لا شريك له هو الوحيد سبحانه) مع النفخ على النفار ؛ وفي ليبيا سمي المسحراتي النوبادجى نسبة إلى الطبلة الكبيرة التي معه تسمى النوب و يدق عليها بعصاتين مع النداء بنغمات موسيقية تتماشى مع إيقاع الطبلة ،في السودان يمر المسحراتي ومعه طفلًا يحمل فانوسًا ومعه أيضًا دفترًا به أسماء الحي ويردد قائلًا “اصحوا يا نايمين اتسحروا وقولوا نوينا نصوم رمضان اصحي يا نايم وحد الدايم”.
أجر المسحراتي تغير عبر العصور حيث كان يأخذ جزء من الخراج وبعض المحاصيل أما الفقراء فكان لا يقف أبدًا عند أبوابهم ليتقاضى أجرًا ويمكن القول إن هذه المهنة مهنة ثوابية يقوم بها المسحراتي دون أجر سوى ما يحصل عليه من هدايا من أهالي الحي ففي نهاية الشهر الكريم منذ ليلة الـ27 يبدأ المسحراتي في جمع العيدية من الناس يعطيه كل شخص ما يقدر عليه من زكاة الفطر حسب مكانته الإجتماعية و قدرته المالية وهي مهنة جاذبة العديد من الهواة ومحبي الخير ولمن تكسد تجارته في شهر رمضان.
وبهذا فإن للمسحراتي قد تعددت مسمياته واختلف زيه عبر الدول سيظل برغم التطور التكنولوچي الهائل مصدرًا للبهجة في الشهر الكريم ينتظر أغلب الناس مروره لنشر الفرحة بالمكان و سيظل من أبرز ملامح الاحتفال بالشهر الكريم ففي بعض المدن الجديدة والمجتمعات المغلقة يوجد فقدان كبير من الناس للمسحراتي ولبهجته أعاد الله علينا وعليكم الشهر الكريم بكل فرح وسرور وبهجة.







