مكالمة 23 فبراير.. الشرارة التي غيّرت مسار المواجهة
كشف موقع أكسيوس أن اتفاقًا جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مكالمة هاتفية في 23 فبراير الماضي، تضمن تنسيقًا بشأن مهاجمة إيران.
ووفق التقرير، نقل نتنياهو معلومات استخباراتية تتعلق باجتماع مرتقب للمرشد الإيراني علي خامنئي، ما اعتُبر فرصة استراتيجية لتنفيذ ضربة نوعية.
وبحسب المصادر، طلب ترامب التحقق من المعطيات عبر وكالة الاستخبارات المركزية، قبل أن يصدر قراره النهائي ببدء العملية. لاحقًا، انطلقت ضربات عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة داخل إيران، بررتها واشنطن بوجود تهديدات صاروخية ونووية.
وتحدثت تقارير عن مقتل خامنئي وعدد من القيادات، بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني بدء عملية رد واسعة.
هذه التطورات لم تكن مجرد تصعيد عسكري، بل نقطة تحول فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة في الشرق الأوسط.
من الضربات داخل إيران إلى نقل المعركة للخليج
الرد الإيراني لم يتأخر، لكنه لم يقتصر على استهداف إسرائيل أو المصالح الأمريكية المباشرة. سرعان ما امتدت الهجمات إلى دول الخليج، في تصعيد غير مسبوق استهدف مطارات ومنشآت حيوية في الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وسلطنة عُمان.
الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة حملت رسالة واضحة: الحرب لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، ولن تظل مواجهة ثنائية بين إيران وخصومها، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع.
لماذا تقصف إيران دول الخليج؟
تفسير هذا التوسع يرتبط بعقيدة إيرانية معلنة تقوم على الرد الشامل. فطهران تعتبر أن أي هجوم عليها يبرر استهداف كل من تستضيف أراضيه قواعد عسكرية أمريكية أو يشارك – بشكل مباشر أو غير مباشر – في العمليات ضدها.
وجود قواعد أمريكية في عدد من دول الخليج يمنح إيران مبررًا سياسيًا وعسكريًا لضرب هذه المواقع. لكن الأبعاد لا تتوقف عند هذا الحد. فدول الخليج تمثل قلب الاقتصاد النفطي العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على الأسواق الدولية.
بذلك، يصبح استهداف الخليج أداة ضغط مزدوجة: عسكرية ضد واشنطن، واقتصادية على المجتمع الدولي.
سياسة “المخاطر العالية”.. تصعيد بلا سقف واضح
يرى محللون أن إيران دخلت مرحلة يمكن وصفها بسياسة “المخاطر العالية”، حيث يجري استخدام أدوات الرد بأقصى طاقتها دون الالتزام بسقف تصعيد تقليدي. بعد الضربات التي طالت قيادات عليا داخل البلاد، باتت القيادة الإيرانية – وفق تقديرات – أقل ميلًا للحسابات الحذرة وأكثر استعدادًا لتحمل المخاطر.
هذا النمط من السلوك يعكس تحولًا من الردع المحسوب إلى المواجهة المفتوحة، وهو ما يرفع احتمالات الخطأ في الحسابات، ويجعل أي حادث عرضي شرارة لمواجهة أوسع.
الخليج بين الحياد والاضطرار للاصطفاف
المفارقة أن دول الخليج، في فترات سابقة، لعبت أدوارًا في الوساطة واحتواء التوتر بين طهران وواشنطن. بعضها استضاف مفاوضات أو نقل رسائل دبلوماسية. لكن مع انتقال الضربات إلى أراضيها، تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة صعبة.
فهي من جهة لا ترغب في الانجرار إلى حرب مباشرة مع إيران، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل استهداف منشآتها الحيوية وقواعد حليفتها الأمريكية. هذا الوضع قد يدفعها إلى منح واشنطن حرية أكبر في التحرك العسكري، أو حتى المشاركة في ترتيبات دفاعية أكثر صرامة.
واشنطن بين الردع والتورط
بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإن استهداف قواعدها أو مصالحها في الخليج يضعها أمام اختبار حقيقي. حماية الحلفاء التزام سياسي وعسكري، لكن توسيع نطاق الرد قد يفتح أبواب حرب إقليمية شاملة.
الإدارة الأمريكية تحاول الحفاظ على توازن دقيق: ردع إيران دون الانزلاق إلى صراع طويل ومكلف. غير أن المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا كلما اتسعت دائرة الأهداف.
إسرائيل واستمرار عقيدة الضربة الوقائية
أما إسرائيل، فتواصل تمسكها بعقيدة الضربة الوقائية لمنع خصومها من تطوير قدرات تعتبرها تهديدًا وجوديًا. التنسيق مع واشنطن في الضربة الأولى يعكس قناعة بأن اللحظة كانت مواتية لتوجيه ضربة استراتيجية.
لكن انتقال الرد الإيراني إلى الخليج يضع إسرائيل أمام مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد المواجهة محصورة في جبهة واحدة، بل باتت متعددة الساحات.
الاقتصاد والطاقة.. ساحة المعركة غير المعلنة
أي اضطراب أمني في الخليج ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة الملاحة في الممرات الحيوية. الأسواق العالمية تتابع التطورات بقلق، لأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة، ويضغط على اقتصادات كبرى وصاعدة على حد سواء.
بهذا المعنى، لم تعد الحرب عسكرية فقط، بل أصبحت أيضًا اقتصادية، حيث تتحول منشآت الطاقة إلى أوراق ضغط استراتيجية.
هل تتجه المنطقة إلى حرب شاملة؟
المشهد الحالي يعكس توازنًا هشًا قائمًا على الردع المتبادل والتصعيد التدريجي. كل طرف يختبر حدود الآخر، لكن دون إعلان رسمي بحرب شاملة. غير أن اتساع رقعة الأهداف، وسقوط قتلى وجرحى، يزيد من صعوبة العودة إلى نقطة الصفر.
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق: إما احتواء سريع عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة، أو انزلاق متدرج نحو صراع إقليمي واسع يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
ما بدأ بمكالمة هاتفية بين ترامب ونتنياهو، تحوّل إلى مواجهة تتداخل فيها حسابات السياسة بالعسكر، والاقتصاد بالأمن. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل تستطيع الأطراف المتصارعة كبح جماح التصعيد، أم أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة يصعب الرجوع عنها؟







